الشيخ محمد رشيد رضا
78
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كانكاره سبحانه على من زعم أنه يسوي بين الأبرار والفجار في المحيا والممات ، وعلى من زعم أنه خلق خلقه عبثا وأنهم اليه لا يرجعون ، وأنه يتركهم سدى أي لا يثيبهم ولا يعاقبهم ، وذلك يقدح في حكمته وكماله ، وأنه نسبة إلى ما لا يليق به . وربما وره بأن النفوس البشرية باقية واعتقاداتها وصفاتها لازمة لها لا تفارقها وإن ندمت عليها لما رأت العذاب فلم تندم عليها لقبحها أو كراهة ربها لها ، بل لو فارقها العذاب رجعت كما كانت أولا قال تعالى « وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » فهؤلاء قد ذاقوا العذاب وباشروه ولم يزل سببه ومقتضيه من نفوسهم بل خبثها قائم بها لم يفارقها بحيث لو ردوا لعادوا كفارا كما كانوا وهذا يدل على أن دوام تعذيبهم يقضي به العقل كما جاء به السمع قال أصحاب الفناء الكلام على هذه الطرق يبين الصواب في هذه المسألة ( فأما الطريق الأول ) فالاجماع الذي ادعيتموه غير معلوم وانما يظن الاجماع في هذه المسألة من لم يعرف النزاع وقد عرف النزاع فيها قديما وحديثا ، بل لو كلف مدعي الاجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم إلى الواحد أنه قال إن النار لا تفنى أبدا لم يجد إلى ذلك سبيلا ، ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك ، بل التابعون حكوا عنهم هذا وهذا ، قالوا والاجماع المعتد به نوعان متفق عليهما ونوع ثالث مختلف فيه ولم يوجد واحد منها في هذه المسألة النوع الأول - ما يكون معلوما من ضرورة الدين كوجوب أركان الاسلام وتحريم المحرمات الظاهرة . الثاني - ما ينقل عن أهل الاجتهاد التصريح بحكمه . الثالث - أن يقول بعضهم القول وينشر في الأمة ولا ينكره أحد . فأين معكم واحد من هذه الأنواع ؟ ولو أن قائلا ادعى الاجماع من هذه الطريق واحتج بأن الصحابة صح عنهم ولم ينكر أحد منهم عليه لكان أسعد بالاجماع منكم ( قالوا وأما الطريق الثاني ) وهو دلالة الآن على بقاء النار وعدم فنائها فأين في الآن دليل واحد يدل على ذلك ؟ نعم الذي دل عليه الآن أن الكفار خالدون في النار أبدا ، وأنهم غير خارجين منها ، وأنه لا يفتر عنهم من عذابها ، وأنهم لا يموتون فيها ، وأن عذابهم فيها مقيم ، وأنه غرام أي لازم لهم . وهذا كله مما لا نزاع فيه بين